ابن عطية الأندلسي
252
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الفقهاء وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب وإذا ارتيب فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثما نظر فإن كان الأمر بينا غرما دون يمين وليين وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل قال القاضي أبو محمد فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة من الآية ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطا شديدا وذكر ذلك والرد عليه يطول وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع والله المستعان قوله * ( شهادة بينكم ) * قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور وقال الطبري الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي تؤدى قال القاضي أبو محمد وهذا كله ضعيف والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدى ورفعهما بالابتداء والخبر في قوله * ( اثنان ) * قال أبو علي التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقدره غيره أولا كأنه قال مقيم شهادة بينكم اثنان وأضيفت الشهادة إلى بين اتساعا في الظرف بأن يعامل معاملة الأسماء كما قال تعالى * ( لقد تقطع بينكم ) * وقرأ الأعرج والشعبي والحسن شهادة بالتنوين بينكم بالنصب وإعراب هذه القراءة على نحو إعراب قراءة السبعة وروي عن الأعرج وأبي حيوة شهادة بالنصب والتنوين بينكم نصب قال أبو الفتح التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان وقوله تعالى * ( إذا حضر أحدكم الموت ) * معناه إذا قرب الحضور وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت وهذا كقوله تعالى * ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) * وكقوله * ( إذا طلقتم النساء فطلقوهن ) * وهذا كثير والعامل في * ( إذا ) * المصدر الذي هو * ( شهادة ) * وهذا على أن تجعل * ( إذا ) * بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب ولك أن تجعل * ( إذا ) * في هذه الآية المحتاجة إلى الجواب لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله * ( شهادة بينكم ) * إذ المعنى إذا حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد وقوله * ( حين الوصية ) * ظرف زمان والعامل فيه * ( حضر ) * وإن شئت جعلته بدلا من * ( إذا ) * قال أبو علي ولك أن تعلقه " بالموت " لا يجوز أن تعمل فيه * ( شهادة ) * لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه وقوله * ( ذوا عدل ) * صفة لقوله اثنان و * ( منكم ) * صفة أيضا بعد صفة وقوله تعالى * ( من غيركم ) * صفة لآخران و * ( ضربتم في الأرض ) * معناه سافرتم للتجارة تقول ضربت في الأرض أي سافرت للتجارة وضربت الأرض ذهبت فيها لقضاء حاجة الإنسان وهذا السفر كان الذي يمكن أن يعدم المؤمن مؤمنين فلذلك خص بالذكر لأن سفر الجهاد لا يكاد يعدم فيه مؤمنين قال أبو علي قوله * ( تحبسونهما ) * صفة ل * ( آخران ) * واعترض بين الموصوف والصفة بقوله إن أنتم إلى الموت وأفاد الاعتراض أن العدول إلى * ( آخران ) * من غير الملة والقرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه واستغني عن جواب * ( أن ) * لما تقدم من قوله * ( أو آخران من غيركم ) * وقال